الخميس، 28 يوليو، 2011

الرجوع ..

حلمٌ أري في خلجاته طين الارض اللدن والاقدام تغوصه حتي الاعقاب حافيةً دون أحذيةٍ غبية ، يتماسك الطين حول الاصابع حتي يشيخ الوقت فيه ويجف ، تتناوله كلتا يداي بالفرك المتتابع دون الجريان الساري للماء ، للارض يسقط كبقايا الرمل وفي ثناياها أراه وإذا به يتناثر .
صوت : فكما كنت منها فإليها الرجوع ..
حال .. واستيقطت مفزوعا من ارباع ذاك الحلم ..

التل في انحداره الحاد لنزولي قد هام بي الاسراع .الحقول في يناعها الأن بالجمال قد أخضرّت . لضمّة الأزهار في الحقل القريب جلست متكأً كالطفل الولهان بِلُعبه ، في عطرها الأخاذ قد صرت ارُوغ فيها بفكري وأدندن ، قلت متغنياً في صوتي الآخّذ للخبوِّ : " ليت همي يا ربيعي .. كالخوالي لعبتي .." وإذاني في سبات النوم أستغرق من جديد ...

.... علي الارض بجسدي تحت شجرة العنّاب كنت حينها المنطرح . عيناي تفتحتا لتلك الريحٍ التي في مرورها بي وقد شدّت . نهضت من سباتيَ في هبوبها كالمستيقظ المتأفف. الرمل يتناثر فوق الصدر بي وكذا الرأس . عيناي اضحتا كحمرة الدم في لونه الثاغر . للماء الذي يبعد قدر الباعين عني قد انشدتُ لوجهي الغسل وكذا الامر لريقي السُّقا . تذكرت الطين في منامي وأنا ساهم في النظر لقِرْبَة الماء ، تذكرت الكلماتَ التي كانت تدق السمع فتقول .. " فكما كنت هو منها فإليها الرجوع".

ارجعت قِرْبَة الماء إلي مكانها حيث كانت ، شربت من بطنها ما كان لي يفي بردِّ العطش ، اسْكبتُ قليلها علي وجهي لكي أزيح التراب المنتشر ، جلستُ حيث كنت في مكاني متعودا لأنام . قد غلبني النعاس في جديده وصال بي الحلم في تكراره المتشابه والنوم فيّ قد جال ...

.... وكأني في ارضٍ كنتُ انشوها بِسِحَنِ الخيال ، الجبال في تناطح الغيوم لها منظرٌ يأسر، السفوح تتعاكس عند رؤياها في ضوء الشمس وكأنها اللؤلؤ الفاخر ، مشيت الخطوات للأمام نحو البيت الذي رأيتُه بالنظر قريب ، نظرت قدماي فإذاهما قد غاصتا في وحول الطين دون زوج الحذاء ، طرقت باب البيت عند وصولي بالطرق الخفيف ، من داخله ردت عليّ بنتٌ بقولها : ابي ليس هاهنا موجود ، فعد عند الغروب فحينها من شغله يكون هو قد رجع ..
قلت لها : فله التحية والسلام .. ولكني انشد الماء في قليله .. الطرق قد اصابتني من بِطينها ، والعطش كذا الامر قد لاح بي كل مأخذ ..
قالت لي : إذن فإنتظر
القِرْبَة نفسها من شِقِّ الباب المفتوح لي قد ُمُدّت ، امسكت القربة وعلي جذعٍ قريب جلست للشرب وغسل قدماي . نظرتهما وإذا بالطين فجأةً يتكرمش حول الاصابع ويجف ، مددت يداي لكشط الطين ، كحبات الرمل اراه وهو نحو الأرض يهوي ويتناثر . قال صوتٌ كنت اتواخاه من بعيدٍ فصدح بسمعي حيث قال :

الشمس في شفق الغروب للمغيب قد أذّنت . الطير للأعشاش في رَواحها بالحواصل وأمتلأت ، قد سئِمتَ السؤال في سؤالك الضاني ، وإني الان محدثك حديثا مقتضبا فلي وأستمع ..
تتبدّا البدايات كل يومٍ الي حَتفِها ، وتتمطي النهايات في بدئِها الي السكون والإندثار ، فإن كان فيها التكرار فغداً هو شبيه الأمس ، ولا بد للغد القادم كسابقه في الحال وأن يندثر ، الحياة في صورها المتكررة هي تلك ، فكما كنت انت من تلك الأرض فلست الا ولها سترجع ، وعليه قس المطلوب من ساعاتك ، وما انت في حياتك ستفعل .. واتعظ ..


انتهي ..
محمود
6/3/2011

هناك تعليق واحد: